روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
453
عرائس البيان في حقائق القرآن
قال سهل : الصبر الجميل رضا بغير شكوى ، ثم بيّن أن الكافرين والمنكرين يرونهم عذابا بعيدا ، بقوله : إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً ( 6 ) وَنَراهُ قَرِيباً ( 7 ) : إن المنكر لا يظن أنه مأخوذ قط ، ولا يعلم أنه وقع في العذاب ، ولا يدري . قال سهل : إنهم يرون المقضي عليهم من الموت والبعث والحساب بعيد البعد ، أما قوله : وَنَراهُ قَرِيباً : فإن كل كائن قريب ، والبعيد ما لا يكون . [ سورة المعارج ( 70 ) : الآيات 8 إلى 19 ] يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ ( 8 ) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ ( 9 ) وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ( 10 ) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ( 11 ) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ( 12 ) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ ( 13 ) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ ( 14 ) كَلاَّ إِنَّها لَظى ( 15 ) نَزَّاعَةً لِلشَّوى ( 16 ) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى ( 17 ) وَجَمَعَ فَأَوْعى ( 18 ) إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( 19 ) قوله تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( 19 ) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ( 20 ) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ( 21 ) : طبع الإنسانية خلق ضعيفا لا يطيق تحمّل البلاء ، قال سبحانه : وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً ( 28 ) : وذلك الطبع طبع ممتزج بطبع الشيطاني ، والنفساني والهوائي ، والشهواني ، فإذا أتاه مراده سكن به ، ويمنع ذلك من طلاب الخير ، وإذا لم يؤت إليه مراده يشتكي ، ويجزع ، ويضجر ، ولا يصبر ، فإذا أراد اللّه بالعبد خيرا جعل ذلك الطبع مسخّرا له حتى يطمئن . [ سورة المعارج ( 70 ) : الآيات 20 إلى 22 ] إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ( 20 ) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ( 21 ) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ ( 22 ) قال اللّه تعالى : إِلَّا الْمُصَلِّينَ : يعني العارفين باللّه ، الساكنين تحت جريان مقاديره ، المستقيمين به عند امتحانه . قال سهل : هلوعا منقلبا في حركات الشهوات ، واتباع الهوى . قال ابن عطاء : « الهلوع » الذي عند الموجود يرضى ، وعند المقصود يسخط . وقال في قوله : إِلَّا الْمُصَلِّينَ « 1 » : العارفين بمقادير الأشياء ، فلا يكون لهم لغير اللّه
--> ( 1 ) اعلم أن دوام الصلاة لا يمكن بالصورة ؛ بل بالمعنى ؛ وذلك أن من سجد قلبه للّه تعالى سجدة حقيقية ، وخضع خضوعا تاما ؛ فإن عبادته للّه تعالى مستمرة سواء كان على اليقظة ، أو على النوم ؛ لأن النوم إنما يجري على صورته لا على قلبه ، كما أشار إليه النبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « ينام عيناي ولا ينام قلبي » ، فإذا كان قلب الرجل يقظانا ، سرى ذلك في جميع أجزائه وقواه ؛ فإن القلب أصل القوى والجسد ، فإذا صلح ؛ صلح القوى والجسد كلها ، كما أنه إذا فسد ؛ فسد القوى والجسد كلها .